الشراكة عن بعد: توزيع المساعدات في ظروف غير آمنة

أدى التعقيد المتزايد لطبيعة النزاعات المسلحة بوكالات المعونة الدولية إلى إعادة النظر في كيفية توفيرها المساعدة الإنسانية للمجتمعات المحلية المتضررة. فقد ارتفع عدد الإصابات في صفوف العاملين في مجال المعونة بثلاثة أمثاله منذ عام 2002 ليبلغ 100 حالة وفاة سنويا. وكان أسوأ عام هو 2013 الذي وصل فيه عدد الإصابات بين الموظفين 474 حالة بين جريح وقتيل من جراء هجمات كبرى. وفي 2014 انخفض عدد الحوادث إجمالا إذ بلغ 190 حالة راح ضحيتها 328 شخصا، ولكن ذلك نتيجة الحد من وجود الوكالات الدولية أو إعادة هيكلتها في بعض المواقع مثل جنوب السودان وسوريا وليس نتيجة لزيادة الأمن في المواقع (قاعدة بيانات أمن العاملين في مجال المعونة، 2015).

ومنذ أكثر من عشر سنوات أصبحت الشراكة عن بعد إحدى الإستراتيجيات الرئيسية التي تستخدمها الوكالات الدولية التي لم تعد قادرة على العمل بفاعلية في سياق النزاعات ونقلت بذلك إدارة مسؤوليات المخاطر إلى الموظفين المحليين والمنظمات غير الحكومية الشريكة. ويستكشف الفصل 5 تاريخ الإدارة عن بعد وتطبيقها في الوقت الراهن مع التركيز على دور الجمعيات غير الحكومية الشريكة وخبرتها في هذا الصدد. ويستعرض القضايا الرئيسية للوصول عبر التفاوض محليا والمبادئ الإنسانية وأخلاقيات تحويل المخاطر وتحديات التنسيق والرصد عن بعد.

وتختلف نهوج الإدارة عن بعد من وكالة لوكالة ولكن ثمة قبول عام متزايد بأن الإدارة عن بعد لم تعد خيارا أخيرا في بعض السياقات وإنما أصبحت المعيار الجديد أو على أقل تقدير اختيارا معياريا من بين طرق تنفيذية ممكنة.

ومع تزايد انخراط الوكالات الإنسانية في سياقات النزاع أصبحت تواجه تشكيلة من التهديدات تشمل العنف التبعي والعداء المباشر من المجموعات المسلحة وعنف الأفعال الإجرامية. ومن أجل الحفاظ على سلامة موظفيها اضطرت الجمعيات غير الحكومية أن تكيف عملياتها عن طريق استخدام مجموعة من التكتيكات منها:

  • البرامج العابرة للحدود أو برامج “اليد الطولي”
  • الخفية في أوساط النزاع
  • زيادة الاعتماد على الموظفين الوطنيين والوكالات المحلية والمتعاقدين من القطاع الخاص
  • ترتيبات الشراكة مع السلطات المحلية

تتحفظ كثير من الوكالات الدولية إزاء الإدارة عن بعد. وتتشابه بالطبع التحديات والاعتبارات في طبيعتها مع تلك التي تظهر في سياقات أكثر أمانا، إلا أنه يضاف إليها غياب المراقبة الدولية وما يحيط بها من تقلبات ميدانية.

إن غياب المنظمات الدولية غير الحكومية من بلد ما قد يكون مثبطا للجهات المانحة التي تشترط وجود نظام معين للمساءلة حتى تقوم بالتمويل والبرمجة. والواقع أن الدراسات تبيّن أن إدارة المشروعات عن بعد تعني الحد من إمكانيات المراقبة وزيادة مخاطر تحويل المعونة والتقليل من جودة المشروعات. الأمر الذي يقوض ثقة الأطراف المانحة. مثال ذلك قسم المساعدة الإنسانية والمساعدة المدنية التابع للاتحاد الأوروبي الذي صرح في عام 2013 أنه لن يمول البرامج التي تستخدم الإدارة عن بعد إلا في حالات استثنائية. ولا ينجم هذا الموقف عن المخاطر المذكورة الكامنة في الإدارة عن بعد فحسب وإنما أيضا لأن قسم المساعدة الإنسانية يعتبر “جهة مانحة ميدانية” تقدر “التعرض المباشر لواقع الحقائق التشغيلية.”

غير أن وكالة الأمم المتحدة للاجئين دعت الأطراف المانحة إلى تخفيف شروط المراقبة والمساءلة من أجل تيسير الاستجابة للاحتياجات الإنسانية. وقد بدأ إعداد سياسات وإرشادات بشأن الممارسات الجيدة مع التشديد خاصة على ما يلي:

التحضير ـ من أجل إعداد الأطراف الفاعلة والشريكة المحلية للنجاح في مهامها ينبغي للوكالات الدولية أن تحضر الموظفين الوطنيين والشركاء المحليين قبل الاعتماد عليهم ونقل المسؤولية إليهم، وأن تقيّم وتدعم قدرات الشركاء.

جعل الاستجابة محلية ـ إن الموظفين أو الشركاء المحليين المقيمين وذوي الخبرة من شأنهم أن يقيموا علاقات طويلة الأجل داخل المجتمعات المحلية ومن ثم يسهلون الوصول إلى تلك المجتمعات. إن الموظفين الموجودين قبل وصول الجماعة المسلحة والمعتادين على العمل عن بعد يكونون في وضع أفضل للتفاوض بشأن وصول المعونة الإنسانية نيابة عن المنظمة المعنية.

تكييف البرامج ـ ينبغي للبرامج التي تستخدم الإدارة عن بعد أن تأخذ في الحسبان مسائل الحجم والمستوى والقطاع . وعادة ما ترى الوكالات أنه من المنطقي إعادة النظر في البرامج شديدة التعقيد والبحث عن خيارات أبسط وأضيق نطاقا.

التفاوض حول إمكانية الوصول إلى المستفيدين

يتناول الفصل 5 الفرضيات الخاصة بالشركاء المحليين وقدرتهم على الحفاظ على برامج الشركاء الدوليين بل التوسع فيها. الأمر الذي كثيرا ما يكون صعب الإنجاز عندما تعمل الأطراف الفاعلة المحلية في سياقات مشحونة. ويتضح مما أجري من أبحاث أن الأطراف الفاعلة تسعى إلى الوصول إلى المستفيدين عن طريق العلاقات القائمة التي تعتمد على الشبكات المحلية والسمعة، وتكون أحيانا تكون تعسفية تستخدمها الجماعات المسلحة كشكل من أشكال النفوذ. وتبين البحوث في الواقع أن الطبيعة المعقدة للوصول إلى المستفيدين انعدام ثقة الجمعيات غير الحكومية المحلية وشركائها الدوليين بسبب التناقضات الفعلية أو المتصورة في المبادئ أو بسبب العجز عن إدراك واقع التفاوض بشأن الوصول في سياق الأزمات.

أخلاقيات تحويل المخاطر

تختلف أيضا الأهمية التي تولى لمختلف أنواع المخاطر. فالحكومات المانحة تركز أكثر على الأنظمة والأدوات التي من شأنها التخفيف من المخاطر الائتمانية بينما تركز الوكالات على الجوانب الأمنية. وفي جميع الأحوال لا يؤخذ الشركاء المحليون في الاعتبار عند اعتماد أي من هذين النهجين لإدارة المخاطر. وهو أمر شديد الأهمية عندما نرى أن 90% من الجرحى أو القتلى هم من الموظفين المحليين بالمنظمات الدولية أو المحلية. وتقر العديد من الوكالات الدولية أنها لم تفكر في مسؤوليتها في هذا المجال إلى مؤخرا.

تنسيق ورصد الشركاء عن بعد

على الرغم من تحسن آليات التنسيق المستخدمة في الاستجابة للأزمات بما فيها نهج العمل بالمجموعات لم يوضع بعد نظام مكيف يصلح للبرامج المدارة عن بعد والتنسيق مع الشركاء المحليين. ويكمن التحدي الأكبر في رصد المشروعات التي تدار عن بعد، ويعود جزء من ذلك إلى صعوبة جمع المعلومات الخاصة بالمستوى والجودة لأغراض توجيه قرارات البرمجة، وجزء آخر إلى ضرورة التغلب على قيود الأمن والوصول وهي القيود ذاتها التي أدت إلى التحول إلى الإدارة عن بعد. ومع ذلك أمكن إحراز تقدم عن طريق تقليص مقتضيات المتابعة وتحويلها إلى عدد محدود من المؤشرات و/أو توسيع نطاق جمع وتحليل تعليقات المجتمعات المحلية المتضررة والمتعاقدين وفريق المشروع.

وفي حين يعرض الفصل 5 أمثلة موثقة من الممارسات الجيدة يظل استعراض وتقييم الدروس الميدانية المستفادة ضروريا لصقل ممارسات الإدارة عن بعد. وسيدعم مواصلة التحليل تنمية القدرات وتحسين أشكال الشراكات مع الأطراف الفاعلة المحلية، وتوفير أدلة للمبادئ التوجيهية والأطر الدولية بغية تيسير التنسيق القطري واكتساب ثقة الجهات المانحة. ومن الضروري فتح باب الحوار واتخاذ القرارات والتدابير من أجل مراجعة طرق دعم النظام الدولي للجهات الفاعلة المحلية مع النظر بصورة عملية في أفضل الشروط الخاصة بالبرامج والشركاء والمساءلة في بيئات عالية الخطورة.

دور الجهات المانحة في الإدارة عن بعد في الصومال: غضّ الَطرْف

تشعر الجهات الفاعلة الدولية بالقلق إزاء قلة فهمها لما تمثله الأخطار التي يواجهها العمل في بيئة غير آمنة وأثر المساعدات التي تقدمها. وذلك بالرغم من إرسالها المساعدات إلى الصومال منذ سنوات عديدة. ونتيجة لذلك ازداد الحديث داخل أوساط المانحين حول الحاجة إلى الإدارة وجمع البيانات والمساءلة عن بعد.

وتختبر الحكومات المانحة آليات الإدارة عن بعد تستخدم التكنولوجيا الرقمية وجهات فاعلة من أطراف ثالثة. ولكن هذا التوجه أصبح يميل نحو الاعتبارات التقنية ولم تُبذل جهود كثيرة لفهم الجوانب السياسية والتبعات المحلية.

وفي صوماليلاند، ساعدت المعلومات التي جُمعت عبر المتابعة بواسطة طرف ثالث في كشف الوكالات عن انتهاكات حقوق الإنسان والمنازعات التعاقدية، الأمر الذي أتاح لها فهم آثار المشاريع في المناطق التي غادرتها.

وفي الحالات التي تحققت فيها نتائج إيجابية، بدا أن السبب الرئيسي لذلك كان وضوح الاتصالات بين المانحين والشركاء الدوليين و/أو الشركاء المحليين والطرف الثالث المتابِع.

ويمكن أيضاً أن تكون لهذا النهج آثار سلبية. فالعنف الذي يحيط قضايا التعاقد في الصومال أمر شائع ومن المهم النظر إلى التفاعلات المحلية قبل البدء بالمتابعة الخارجية التي تنقل فيها الجهات الدولية السلطة إلى فريق آخر.

وفي بونتلاند نشب نزاع بين الجهات الفاعلة المحلية حيث أوكلت إلى إحدى المنظمات المتابعة عن طريق طرف ثالث لوكالات محلية أخرى كانت تتنافس معها للحصول على تمويل.

ويظهر أيضاً تعارض غير مريح بين الرغبة في المزيد من المساءلة والخوف من الانكشاف والتعرض لتدابير عقابية. وتخشى وكالات الإغاثة المحلية (وشركاؤها الدوليون) من فقدان التمويل إذا ما أبرزت الممارسات السيئة، بينما يشعر موظفو الجهات المانحة بالقلق إزاء التبعات السياسية. ونادراً ما نجد توجيهات بشأن الإجراءات المناسبة التي ينبغي اتباعها.

ويمكن أن تكون المعلومات التي تُجمع بهذه الطريقة أداة مفيدة لإقامة شراكات أقوى بين الجهات الفاعلة الدولية والمحلية وتحسين الممارسات من أجل ضمان تلقي المجتمعات المحلية المساعدة التي تحتاجها، ولكن كل ذلك يؤدي غالباً إلى تراجع الاهتمام بالمخاطر المالية والقضايا المتعلقة بسمعة المؤسسة.

إن الموضوع الذي يقع في صلب النقاش في الصومال هي المفارقة بين الممارسات المبنية على المعرفة والمعرفة المستندة إلى الممارسات. وينبغي أن تؤدي صعوبة الوصول إلى المستفيدين إلى تعزيز الشراكات المحلية، وينبغي أن يؤدي تزايد البيانات والتركيز على المساءلة إلى تحسين فعالية المساعدة.

غير أن إيلاء الأولوية للتخفيف من المخاطر المتعلقة بالمؤسسة يوحي بعدم حماس المانحين، وبعدم الثقة بإمكانية أن يؤدي تحسين المعرفة إلى تحسين الممارسة، وربما نتج ذلك في جزء منه عن تعقيدات البيئة أو عن مقاومة التغيير.

وتكمن الأولوية في طرح آليات تزيد من مستوى المساءلة ولكنها آليات قد تفشل في التعامل مع سياسات القوة والواجبات الإنسانية التي تترافق والمعارف الجديدة، أو تستغلها كأداة لتعزيز الشراكات المحلية.

Also available in: الإنجليزية, الفرنسية, الأسبانية

[an error occurred while processing the directive]

تقرير الكوارث في العالم 2015 5